أحمد بن محمد مسكويه الرازي

95

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الافعال بضد ما أعد له ، أعني الشرور التي تكون بالرؤية الناقصة والعدول بها عن جهتها لأجل « الشهوة » التي يشارك فيها البهيمة أولا ، أو « الاعتزاز بالأمور الحسية » تشغله عما عرض له ، من تزكية نفسه التي ينتهي بها إلى الملك الرفيع والسرور الحقيقي ، وتوصله إلى قرة العين التي قال اللّه تعالى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ « 1 » وتبلغه إلى ربّ العالمين في النعيم المقيم واللذات التي لم ترها عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على قبل بشر ، وانخدع عن هذه الموهبة السرمدية الشريفة ، بتلك الخساسات « 2 » التي لا ثبات لها ، فهو حقيق بالمقت من خالقه عزّ وجل ، خليق بتعجيل العقوبة له وإراحة العباد والبلاد منه . وإذ قد تبيّن أن سعادة كل موجود انما هي صدور أفعاله الانسانية عنه بحسب تمييزه ورؤيته ، وأن لهذه السعادة مراتب كثيرة بحسب الروية والمرويّ فيه ولذلك قيل : أفضل الروية ما كان في أفضل المرويّ . ثم ينزل رتبة فرتبة إلى أن ينتهي استعمل رويته والصورة الخاصة به ، التي صار من أجلها سعيدا معرضا للملك الأبدي والنعيم السرمدي ، في أشياء دنيئة لا وجود لها بالحقيقة . فقد تبين أيضا أجناس السعادات بالجملة واضدادها من الشقاوات وأجناسها ، وان الخيرات والشرور في الافعال الإرادية هي اما باختيار الأفضل والعمل به ، واما باختيار الأدون والميل اليه . 5 - التعاون لتحصيل السعادات ولما كانت هذه الخيرات الإنسانية وملكاتها التي في النفس كثيرة ، ولم يكن في

--> ( 1 ) . الآية : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ السجدة / 17 . ( 2 ) . الشيء الرديء ، القليل ، الحقير ، . . . .